|
جميل هو الإنتصار, وبخاصة حين يكون انتصار ثورة
نظيفة وعادلة. وكم تمنيت أن أشهد في حياتي انتصارا فلسطينيا
واحدا, يضع حدا لذلك الشعور بالذنب
والعار الذي يلفني منذ أن ولدت تحت احتلال ظالم هو الانتداب البريطاني. وها أنا بعد
عمر طويل ما زلت تحت احتلال أشد شراسة وظلما خلقه الانتداب البريطاني ذاته. فالثورات
النظيفة والعادلة على الظلم والإجرام, التي تحقق الانتصار, تضعني دائما أمام حقيقة
فشلنا في تحقيق الانتصار, وأنه لا بد لنا من تحقيق ذلك, إذا كانت قوة الشعوب قادرة
حقا على ذلك. وهذا هو الشعور الذي يلف كل فلسطيني كما أعتقد, مهما أخذته العزة بالإثم,
وبخاصة حين يقف أمام انتصار عظيم كذلك الذي يحققه شعب مصر العظيم الآن بانتصاره على
نظام يشبه في بعض ملامحه نظام الاحتلال الإسرائيلي. ألم يسرق النظام المصري قوت شعبه
؟ ألم تمارس قوات شرطتة قتل شباب مصر كما يقتلنا
جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ هذا
هو الذي ذكرني به المشهد المصري.
كيف أشرقت علينا هذه الثورة النظيفة التي أطلقها
شباب مصر! لا تكمن عظمتها في مجرد
أنها ثورة, وإنما لأنها ثورة نظيفة نظافة أولئك الشباب الأبرياء الذين أطلقوها. وأعني بذلك أنها ثورة
الشعب ذاته, ثورة أهم شريحة
منه هي شريحة شبابه , وهي نظيفة لأنها سلمية, لم تحمل سلاحا, ولم تسئ
لأحد إلا لزبانية النظام, ولم تقتحم أي مبنى ولم تخرب أية مؤسسة.
إنها أول ثورة نظيفة في تاريخ
المنطقة العربية كلها. فكل ما شهدته الدول العربية قبل ذلك هي مجرد انقلابات دموية أو سلطوية معبرة عن لون واحد أو حزب عقائدي
فاشي واحد, ولم يخجل البعض من تسمية البعض منها ثورات.
فثورة شباب مصر الحالية
ثورة وطنية على الظلم والفساد, يقودها شباب أبرياء ,لم يتلوثوا, ويحملون ثقافة مستنيرة
تقوم على طلب الحرية والديمقراطية- ليس كحزب حسني مبارك الوطني الديمقراطي- والاعتراف بالآخر والأخرى.
كما إنها قد فاجأتني بعد أن اسودت الحياة في عيني
منذ أن أخذت المنطقة تنحدر
إلى جحيم الطائفية والفاشية والأيديولوجية الفاسدة الجبانة
التي تمتهن نسف الأطفال والنساء والشيوخ والشباب في الأسواق والمطاعم وأماكن
الصلاة, واعتقدت بأن هذا الحال سيستشري ويطول أمده . فهل ستوقف هذه الثورة , ومن قبلها
الثورة التونسية, ثورة بو العزيز, هذا المد الثقافي الأيديولوجي الإجرامي وتنقذ المنطقة
من كارثة محتمة؟ وهل ستقضي على ذلك الوهم
الذي ركب الكثير من الفلسطينيين الذين قيل بأنهم أحبوا حسني مبارك بحجة أنه ساند قضية
فلسطين؟
أنا أكره حسني مبارك وأنا على يقين بأنه كان كذابا معنا على الدوام كما كان كذابا مع
شعبه. ولطالما تساءلت : ما الذي صنعه حسني مبارك لنا ولقضيتنا مقابل ما قدمه لإسرائيل؟ فمنذ ثلاثين عاما هي أعوام حكمه, والاستيطان
الصهيوني يتفاقم عندنا, وكذلك مصادرات الأراضي وعدد الشهداء وعدد
الأسرى , وماؤنا ينفذ وطرقنا تضيق, وذات يوم سوف لا نجد مجالا نتنفس فيه قبل
أن ينقطع نفس حسني مبارك, وسوف نفقد الأمل في وطن يمكن لنا أن نثور فيه.
بل لم يستطع , وهو القوي الجبار حاكم أكبر دولة عربية ( الذي يخاف من ملالي
إيران) أن يحل معضلة واحدة بين فتح وحماس.
فلننس حسني مبارك الذي سقط, ولننس الحكام العرب الآخرين قبل أن يسقطوا, ولندرس ثانية
مبتكرات الثورات السلمية الخلاقة لكي نكنس المحتل من أرضنا.
|